سعيد رحيم //
// دعا بيان حزب النهج الديمقراطي أصدره السبت 30 غشت 2025 تخليدا الذكرى 55 لتأسيس المنظمة الماركسية اللينينية “إلى الأمام” التي يعد الحزب امتدادا لها “كل المناضلين والمناضلات المقتنعين بضرورة بناء حزب الطبقة العاملة، وعلى رأسهم الماركسيون اللينينيون، إلى النقاش لتدقيق التصور لبناء جبهة الطبقات الشعبية، أداة إنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطية (…) والوحدة الشعبية القوية لتخليص بلادنا من جبروت المخزن وهيمنة الإمبريالية ومن التحالف المقيت مع الصهيونية والرجعية ومن سيطرة الكتلة الطبقية السائدة”.
لا شك أن اطلاع المهتمين بالشأن السياسي في المغرب على هذه الدعوة، خاصة اليساريون عموما والماركسيون تحديدا، ستجعلهم يشعرون بحاجة الحزب – بعد نحو 30 عاما من التحاقه بالشرعية – ليس فقط إلى دماء جديدة لأجل بناء حزب الطبقة العاملة بل الحاجة قبل ذلك وتمهيدا له إلى نقد ونقد ذاتي لم يسبق للمنظمة، أو الحزب أن قام به باستثناء الخروج من السرية إلى العلن.
معلوم أن النقد والنقد الذاتي الذي تتغافله أغلب التجمعات التنظيمية السياسية منها، أو الحزبية، أو النقابية في العالم يكون سببا في ترهل وتكلس واضمحلال المكونات النخبوية التي كانت بالأمس تتطلع إلى الثورة على واقع البؤس والفساد والاستبداد.
لذلك يتيح بيان الذكرى 55 لتأسيس “إلى الأمام” الفرصة للمساهمة في المحاولات الرامية إلى خدمة الطبقة العاملة الطموحة ومجموع الكادحين لبناء مغرب يلعب دوره التاريخي على المستوى الداخلي والإقليمي في التنمية والسلم العالمي.
قبيل التعرض إلى النقاط الإنتقادية، نود الإشارة فقط إلى أننا حين نكتب في هذا الصدد فمن باب ما نكنه من احترام وتقدير وإجلال لشهداء التجربة السياسية القاسية التي قدمتها الحركة الماركسية اللينينية بمجملها في المغرب إبان أوج سنوات الجمر والرصاص وهو ما لا يمكن أن نقوم به حيال من اختاروا المعسكر المناقض، المعادي لمصالح الطبقة العاملة وعموم الشعب المغربي.
الحركة الماركسية اللينينية منذ بزغت في نهاية ستينيات القرن الماضي، شكلت – على الصعيدين النظري والعملي فكرا “بروليتاريا” خرج معظمه من رحم “بورجوازية” الحركة الوطنية – نقلة نوعية في فهم طبيعة الوضع الموروث عن الإستعمار المباشر والانطلاق في تفعيل آليات التصدي جدريا لاستمرار المعمرين الجدد في تسخير المغرب والمغاربة لمآربهم ومصالحهم الطبقية المرتبطة بالتبعية للغرب الرأسمالي الإمبريالي والنيابة عنه.
لذلك:
1- من المهم جدا أن نقرأ في بيان الذكرى ال55، المفارقة القائمة بين الدعوة التي وجهها الحزب من أجل “بناء جبهة الطبقات الشعبية ووحدتها، باعتبارها أداة إنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطية لتخليص بلادنا من جبروت المخزن وهيمنة الامبريالية..إلخ” وبين الممارسة الفعلية لتحقيق هذا المبتغى.
فعلى مدى الزمن المنقضي لم يبذل الحزب من الجهد ما يمكنه من التفاعل الجدلي بين الفكرة والواقع ولم تقدم فيه “إلى الأمام” أو النهج الديمقراطي أي نقد ذاتي حين تعلق الأمر بعلاقة التحرر الوطني ببناء جبهة الطبقات الشعبية، دون الدخول في جدل عقيم حول أسبقة هذه عن تلك، أو تلك عن هذه.
تعلمنا الماركسية أن قوتها العملية فضلا عن البراكسيس، تتمثل في وحدة الطبقة العاملة “يا عمال العالم اتحدوا” وأن التنظيم الماركسي اللينيني لا يمكن أن يكون كذلك إلم يكن وحدويا، ليس فقط على صعيد الوحدة العمالية قطريا، بل كونيا.
لذلك فإن تجليات هذه المفارقة تتمثل في الموقف المبكر المساند لحق تقرير مصير جزء من الشعب في الصحراء الغربية بما يعد انفصالا لشعب واحد، لطبقة عاملة واحدة في بلد واحد إلم يكن في منطقة مغاربية واحدة لم تقرر مصيرها من مخلفات حقبة الاستعمار التقليدي، من وجهة نظر ماركسية لينينية.
موقف مبكر فاقد لمقوماته السياسية لعدة أسباب أولها؛ تحول جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب من حركة تحرر إلى جمهورية وهمية، معناه أن الحركة صارت بذلك جهازا طبقيا لممارسة السلطة على ساكنة لم تقرر مصيرها بعد ضمن ساكنة تشمل المنطقة المغاربية ككل. ثانيها ربط تقرير المصير باستفتاء تنظمه الأمم المتحدة بما يعرف عنها جهازا خاضعا للقوى العظمى، على رأسها قوى إمبريالية لا تدخل منطقة ما إلا إرضاء لمصالحها أو لمنافع جيوستراتيجية تضرب لها ألف حساب. ولو كانت للأمم المتحدة القدرة على تطبيق حق تقرير مصير الشعوب لطبقته لفائدة الشعب الفلسطني منذ ما يزيد عن (76.) عاما.
إن حق تقرير مصير الشعوب الذي نادى به الرئيس السوفياتي السابق فلادمير لينين، لا يمكن أن يكون تقديرا مرجعيا لحالة الصحراء الغربية أو لأي حالة مشابهة. وقتها لم يكن للأمم المتحدة التي انبثقت عن المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وجود. والأهم من كل هذا هو اعتبار الأقاليم الصحراوية آنذاك “فلسطين ثانية” وكأن المغرب قد كسب استقلاله التام بعد “إيكس ليبان” وما عليه سوى أن يعطى الاستقلال لجهة أخرى!!!!؟ وكأن “إلى الأمام” تريد إقناعنا بأن \’فاقد الشيء يعطيه!”, عكس ما يقال!.
لم تقدم “إلى الأمام” والنهج الديمقراطي إثرها أي نقد ذاتي هذا الموقف المُحتكم إلى العاطفة السياسية والنزعة المزاجية و”العناد” لرد الفعل ضد المخزن بدل احتكامه إلى الرؤية الثورية لحل مشكلة الصحراء الغربية على خطى جيش التحرير 1958. لقد تسبب هذا الموقف في نزع صفة الهوية الوحدوية عن التنظيم الماركسي اللينيني ووصمه بالإنفصالية في مقابل الأوليغارشيا والتحالف الطبقي الحاكم اللذين اصطبغا بحلة الوحدوية الوطنية المناقضة لهويته المتجلية في جعل الصحراء مجالا للمضاربات الدولية في غياب تام للتعبيرات الوطنية المناهضة للفساد والاستبداد والإمبريالية في المنطقة!
استطاع عبرها التحالف الطبقي الحاكم عزل التنظيم عن جذوره، تعريضه لضرابات قاسية إضافية. خاصة أن تكاليف الصحراء تؤدى من صحة وتعليم وعرق الطبقة العاملة المغربية وتفقيرها! وهو ما أدى إلى إضعاف جبهة الطبقات الشعبية المنشودة والتي ينادي بها البيان المشار إليه.
2- في شتنبر عام 1984، تفاجأت الساحة الطلابية، تيار الطلبة القاعديين بوجه خاص، بتسريب وثيقة أطلق عليها “الكراس” صادرة عن تنظيم “إلى الأمام” في وقت كان فيه التيار بصدد إعادة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب على قاعدة المبادئ الأربعة للمنظمة؛ جماهيرية ديمقراطية ، تقدمية ومستقلة ووفق المعطيات الجديدة المترتبة عما بعد فشل المؤتمر الوطني 17 للنقابة الطلابية. تسببت الوثيقة النازلة من فوق في تشردم وتمزق وانقسامات إضافية في صفوف التيار القاعدي وتضارب مرافعاته في الساحة الجامعية مما سهل على القوات القمعية استمرار حملاتها العدائية على الطلبة المناضلين، اعتقالهم، طردهم ومطاردتهم وتعريض عدد منهم للمنفى الاضطراري مع تجييش الجامعة بالظلامية. تجدر الإشارة إلى أن “الكراس” ذاك، تضمن قرارا فوقيا يدعو إلى عقد تحالف الطلبة القاعديين مع الحزب المنسحب من المؤتمر الوطني 17 ومع التيارات الحزبية اليسارية التي أخلت الساحة عن طواعية. قرار فوقي بعيد عن تطورات الواقع ميدانيا.
3- العلاقة مع الإسلام السياسي: ضدا على مجرى الأحداث تفاجأ الجميع، ماركسيين وغير ماركسيين بما سمي بالتنسيق الميداني مع جماعة الإسلام السياسي المناقضة جملة وتفصيلا لمبادئ الديمقراطية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. الجماعة التي بنت تصوراتها المجتمعية على رؤيا/منامة “مرشدها الأعلى”. برر النهج الديمقراطي، وريث إلى الأمام الماركسية اللينينية هذا التنسيق ب”نظرية الحشد/ الجوقة”، ملء الشارع بالسواد دون اعتبار لطبيعة هذا السواد فكريا وسياسيا في تجاهل تام لمسسلات العنف الذي مارسته الجماعة وأمثالها على المناضلين الماركسيين داخل الجامعة المغربية وخارجها وكذا تجاهل انسحاب الجماعة ذاتها من حركة 20 فبراير 2011، مع بزوغ مؤشرات تولي أحزاب الإسلام السياسي، بتوجيهات خارجية، تسيير الشأن الحكومي على مستوى بلدان “الربيع العربي”، بما فيها المغرب. ساندت الجماعة حليفها الطبيعي بخروجها الاستعجالي من الحركة ولم تعر اهتماما لمن ينسق معها ميدانيا، مسرحيا.
ثلاثة مواقف رئيسية في تاريخ الحركة الماركسية اللينينية (ألف) وقد أُريد لها أن تسير على “كعب إشيل” « Talon d’Achille »بينما تسير أحزاب أخرى من اليسار مبقورة البطن. ويمكن القول أن الحركة الماركسية اللينينية المغربية أكلت من ذاتها بأكثر مما أكله منها أعداؤها لولا الحضور الميداني جمعويا ونقابيا لفعاليات منها.
حضور نخبوي لا يمكنه بأي وجه من الأوجه أن يعوض العمل الحزبي الطبقي المنشود منذ أزيد من 55 عاما ولا “أن يبني جبهة الطبقات الشعبية لإنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطية (…) والوحدة الشعبية القوية لتخليص بلادنا من جبروت المخزن وهيمنة الإمبريالية ومن التحالف المقيت مع الصهيونية والرجعية ومن سيطرة الكتلة الطبقية السائدة”.
خمس وخمسون عاما مضت بصحة وعافية وطول العمر للنهل من نهر الديالكتيك المادي التاريخي والمادي الجدلي الذي لا ينضب من إنتاج وسائل الإنتاج، برا وبحرا وهواء. من دونه سيبقى الرمح في الكعب والدرب طويل وعسير.
*ملحوظة: هذه مساهمة متواضعة استجابة لنداء بيان الذكرى ال55. قد نعود للموضوع حالما استدعى الأمر ذلك.

