تسجيل الدخول

كأسك مطر.. يا وطن

2026-01-19T10:01:32+00:00
2026-01-19T10:10:05+00:00
اقلام حرةالرياضةالسياسةالمجتمع
said rahim19 يناير 2026آخر تحديث : منذ 4 أسابيع
كأسك مطر.. يا وطن

سعيد رحيم

كنت قد بلغت جوف الكتاب هذا المساء، يتحدث عن فترة مريبة ومزعجة من تاريخ المغرب. من تأليف كاتبين أجنبيين. وقد اعتدنا من زمان أن نستقي دقة أخبار وأحوال البلد من قنوات وجرائد وكتب وأفواه ومجلات … الأجانب.

عادة ما تكون حشوة الكتاب، صلبه. أحداث من غير اللائق تأجيل قراءتها لوقت لاحق ما لم يضاهيها حدث أقوى، خصوصا أن صاحب الكتاب ينتظر استرجاعه مني، متشكرا، بعد أن أعارني إياه منذ أسبوع، قبل أن يقرأه هو.

كانت المناسبة، الليلة، مباراة هوجاء في كرة القدم برسم نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسينغال. حدث لا يقل أهمية من حيث تراتبية الأحداث. كلاهما يعتمل في أحشاء كل متفرج أو قارئ. فكما الصراع يحتد على ملعب الكرة كانت صفحات وأسطر الكتاب الذي بين يدي تطفح بالأحداث الموشومة على تاريخ البلد، شغفٌ يتلو شغفاً وحٓدثٌ يفسر ما قبله، أو يمهد لإضاءة ما بعده، حتى ليكاد الرعب ينتاب القارئ الشغوف لفهم ما عاشه وما سمع عنه، أو ما قرئه من مصادرة مختلفة مازالت آثارها تخدش صفحات من التاريخ.. بما يكاد يشبه الصراع القتالي على الكرة قبيل تسديدها في أحشاء شباك الخصم، أو التصدي للهجمات المرتدة، أو ما يشبه هلع المصارعة اليونانية الدموية القديمة (Gladiator).

لشدة ما تنطوي عليه صفحات هذا الكتاب الذي خطف مني أولوية الاهتمام، أقفلت جهاز التلفزة وأغلقت باب غرفتي حتى أتفرغ للمؤلّٓف المستفز. ومع ذلك، ظلت أذناي تسترقان السمع من الجيران ومن مقاهي قريبة من حينا. فالجمهور هنا دأب على الهتاف والصراخ وإطلاق زغاريد تخترق الجدران عند تسجيل إصابة لصالح منتخبنا. أذهى من ذلك، الشوارع والأزقة لا تنام لحظة الإنتصار والتأوه تأسفا، أو الصمت المطبق عند حالة العكس.

مرت الدقائق متثاقلة ثارة ومتسارعة ثارة أخرى. أفكك الحروف والكلمات.. لا صراخا ولا آهات.. تأتي من خلف الجدران,, إنه التعادل على انقاض لهفة الانتظار وأنا أقلِّب الصفحة تلو الصفحة شغفا بالأحداث ومآلاتها التي هزت مشاعر المغاربة لسنوات طويلة ومعها مشاعر العالم التواق إلى الحرية وهو يصارع جهابذة النظام العالمي الظالم. نحن في صلب موضوع الكتاب، جوفه وأحشائه.

أبناء الجيران يشجعون بحماسة ثم يتوقفون، أما أصدقائي في مقاهي الحي فصراخهم لم يخترق النوافذ بعد.. تتواصل أحداث الكتاب متنقلة بين الرباط الدار البيضاء، القاهرة ومطارات باريس وجنيف وواشنطن والشرق الأوسط… وتتوالى الشخوص بأسماء وألقاب من جنسيات مختلفة وعادات وسلوكيات متقلبة، متناقضة أحيانا ومتراضية، أو متفجرة فيما بينها أحيانا أخرى. وكما تهتز المشاعر مع وقائع التاريخ يجري انتظار اهتزاز مشاعر الجمهور المتعطش للفوز، للتفريغ العلني لفرح مكبوت، جامح في الشوارع.. إنها مناسبة تتيح له أن يصرخ ويهتف ويرفع صوته بكل اعتزاز واطمئنان في وجه الجميع بمن في ذلك تحدي الخوف من السلطة وممثليها ومن الهروات التي تنهال عليه في مناسبة مطلبية مهنية أو حقوقية وغيرها من مطالب الحق في قسط من الكرامة.. أما اليوم، سيكون محميا.
IMG 20260119 074847 - نيو برس

مضت ساعتين على إنطلاق صفيرة المباراة الحاسمة من هذا النهائي، لا صراخ.. الصمت يطوق المكان. بدوري بدأت أخرج من ظلال الشك إلى اليقن.. رغم أني لٓحظتها لا أشاهد التلفزة ولا أستمع لمذياع لكنها زخات المطر على زجاج النوافذة أخذت تخترق الصمت .. فتحتها، فإذا بها سيول تتهاطل بقوة هذا الموسم تزامنا مع حدث نهاية كأس الكرة الذي بقي يتيما منذ نصف قرن… لكنه الحظ الأوفر هذا العام “كأسك مطر يا وطن”.

وهكذا استمر قلب صفحات الكتاب الذي سأعيده إلى صاحبه بعد قليل.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.