بوشعيب شكير *
في الإدارة العمومية، لا يُنظر إلى التنقيط الإداري باعتباره إجراءً تقنياً محايداً، بل كجزء لا يتجزأ من نظام التحفيز، يهدف إلى تشجيع الأداء الجيد، وتحقيق الرضا الوظيفي، وربط المردودية بالاستحقاق. غير أن خطورة هذا النظام تبدأ حين يُنزَع عنه بعده المهني، ويُستعمل خارج فلسفته، فيتحول من أداة للتطوير إلى وسيلة ضغط صامتة، ومن رافعة للعدالة الوظيفية إلى أداة للانتقام الإداري.
ما يقع داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا يثير اليوم تساؤلات جدية حول منطق التقييم المعتمد. إذ يصعب، من الناحية الإدارية والقانونية، استيعاب أن يحصل موظف على تنقيط إيجابي طيلة خمس سنوات متتالية، دون أي ملاحظات سلبية مسجلة أو تنبيهات رسمية، ثم يُفاجأ فجأة بتنقيط صفري في السنة الموالية، دون إشعار مسبق، ودون تعليل مكتوب، ودون أي مؤشرات موضوعية على تراجع الأداء. فالتقييم الإداري، بطبيعته، يقوم على التراكم والاستمرارية، لا على القطيعة المفاجئة.
ويزداد الأمر سخرية حين يتضح أن هذا التنقيط لم يُمنح وفق معيار الأداء أو الاستحقاق، بل بدا وكأنه هدية رمزية لتضميد جرح نرجسي وإرضاء رئيسة المصلحة، عبر منحها سلطة غير مشروعة في التنقيط، في تجاوز صريح للقانون، وإفراغٍ لوظيفة التقييم من معناها المهني. وهكذا تتحول النقطة من أداة قياس موضوعية إلى أداة تصفية شخصية، ومن معيار مهني إلى وسيلة ضغط فردي.
وتزداد هذه الوضعية إشكالاً حين يصدر هذا التنقيط عن رئيسة مباشرة لم يعد الموظف تابعاً لها إدارياً منذ أكثر من ستة أشهر، بعد انتقاله الفعلي إلى مؤسسة أخرى داخل المركز. وهو معطى جوهري يطرح مسألة الاختصاص الإداري قبل أي نقاش آخر: كيف يمكن تقييم أداء موظف خارج دائرة الإشراف المباشر، وفي غياب أي تتبع مهني فعلي خلال الفترة المعنية؟
من الزاوية القانونية، لا يُنظر إلى التنقيط المتدني المتعلق بمنحة المردودية، خاصة حين يقل عن 5/20، باعتباره رقماً معزولاً، بل يُعد إجراءً استثنائياً يترتب عليه أثر مباشر على الوضعية المهنية والمالية والنفسية للموظف. ولهذا، فإن مثل هذا التنقيط لا يستقيم إلا إذا كان مرفقاً بتقرير مفصل ومعلل، يوضح عناصر التقييم، والفترة الزمنية المعنية، وأوجه القصور المهنية المنسوبة إلى المعني بالأمر. أما إسناد تنقيط صفري دون تعليل مكتوب، فيُعد إخلالاً صارخاً بواجب التعليل ومساساً بحق الموظف في الاطلاع والدفاع، كما تؤكد المادة الخامسة من المذكرة الدورية الصادرة عن المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا برسم سنة 2025.
ويزداد هذا الخلل وضوحاً عند الرجوع إلى المادة 12 من نفس المذكرة، التي تحدد بدقة الحالات التي قد يحرم فيها الموظف من منحة المردودية، خاصة وأن الملف التأديبي للموظف لا يتضمن أي عقوبات تأديبية. وهو ما يجعل الحرمان من المنحة، بناءً على تنقيط صفري غير معلل، إجراءً متعارضاً صراحة مع النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها داخل المؤسسة.
وإذا افترضنا، جدلاً، وجود نقص في الأداء، فإن منطق تدبير الموارد البشرية السليم لا يبدأ بالعقاب، بل بالتأطير والدعم، والتكوين المستمر، والمواكبة المهنية. فالتنقيط، في فلسفته الأصلية، أداة تشخيصية لتحديد نقاط القوة والضعف وتحسين الأداء، لا وسيلة للإقصاء أو لتصفية الحسابات. وكل استعمال معاكس لهذا المنطق يُحوّل نظام التحفيز إلى آلية هدم إداري لا بناء.
ولا يمكن فصل هذا التنقيط عن منطق الاستقواء بالسلطة الإدارية؛ حين يُستغل التنقيط كسلاح صامت، تتحول السلطة التقديرية إلى أداة انتقامية، تمارس النفوذ باسم النظام، وتصفّي الحسابات باسم التقييم، حتى يبدو أن القانون نفسه يُوظَّف ليخدم مصالح شخصية، لا العدالة الوظيفية.
ويكتسب المشهد بعداً سوداوية حين نضع المسارات المهنية في ميزان المفارقة: رئيسة المصلحة السابقة أصبحت مديرة المؤسسة، بينما الموظف المعني يختبر طيف الانتقام المهني، محروم من منحة مستحقة، مُنقَّط صفري، ومثقل بضغوط نفسية قوية انتهت بمرض مزمن مثبت من طرف طبيب الشغل. يبدو أن في هذه الإدارة، التقدير يُمنح للجلاد، والعقاب يكون للضحية. وبهذا المنطق ، لا يعود السؤال مجرد نزاع إداري، بل اختبار أخلاقي صارخ: هل يستوي الجلاد والضحية حين تُكتب القوانين على مقاس النفوس؟ وهذا، بكل وضوح، غير مقبول لا شرعاً ولا قانوناً ولا أخلاقاً.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل عنصر التزامن. فالمعني بالأمر نقابي، وكانت بينه وبين رئيسته السابقة خلافات مهنية معروفة، وكانت موضوع شكايات وتظلمات ومقالات في الصحافة الوطنية. ولسنا هنا أمام اتهام مباشر، بل أمام تزامن دالّ بين وضع نقابي، وصراع مهني، وتنقيط استثنائي صادر عن جهة فقدت الاشراف الإداري الفعلي. والتزامن، حين يقترن بقرار غير معلل، لا يبقى مجرد صدفة بريئة، بل مؤشر على اختلال منهجي وخلل في احترام مبادئ العدالة الإدارية.
وفي مقابل هذا التشدد الانتقائي، يطفو على السطح مشهد أكثر عبثية: موظفون أشباح يتقاضون أجوراً ومنحاً سمينة دون مردودية تُذكر، لم تلج أقدامهم الإدارة، ولا يخضعون لأي مساءلة أو تقييم صارم. وهنا يصبح السؤال عن العدالة الوظيفية سؤالاً وجودياً داخل الإدارة العمومية: كيف يُكافأ الغياب، ويُعاقَب الحضور؟ وأي رسالة تُبعث إلى من ما زال يؤمن بقيمة العمل؟ كما يقول فيلسوف العدالة جون رولز: “العدالة هي أول الفضائل الأخلاقية للمؤسسات”، وهو ما يجعل العبث الإداري في توزيع المكافآت والمنح بلا معيار موضوعي أكثر وضوحاً وإساءة لمفهوم العدالة الوظيفية.
إن حرمان موظف من منحة المردودية بناءً على تنقيط صفري، صادر خارج الاختصاص الإداري، وبدون تعليل مكتوب، لا يمس فقط حقاً فردياً، بل يضرب في العمق مصداقية منظومة التقييم داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا. فحين يفقد التنقيط وظيفته التحفيزية، تفقد الإدارة أحد أهم أسس مشروعيتها.
ويبقى السؤال المطروح:
هل نريد منظومة تقييم تحفّز الأداء وتحقق الرضا الوظيفي… أم تنقيطاً يُستعمل للانتقام الإداري وتصفية الحسابات تحت غطاء قانوني؟
*الكاتب العام للمكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا
(الكونفدرالية العامة للشغل)

