بين مدرستي الاستعمار والمقاومة
قراءة: د. محمد صهود*
تمهيد
هذا المقال هو قراءة للسيرة الذاتية لمرحلة الطفولة للأستاذ أحمد النظيفي، وتقع هذه القراءة في أربعة محاور؛ الأول حول سيرة الفرد باعتبارها ذاكرة فردية متقاطعة مع الذاكرة الجمعية، والثاني حول مستويات القراءة، والثالث تحليل المستوى التأويلي، والرابع تحليل مستوى الشهادة الشفوية.

أولا، سيرة الفرد، ذاكرة فردية متقاطعة مع الذاكرة الجمعية
ما الذي يدفع الإنسان إلى الكتابة عن حياته أو عن بعض مراحلها إن لم تكن الحاجة إلى إرضاء الذات بالتعبير ثم الرغبة في تقاسم التجارب مع الناس، استحضارا للذكرى وتثبيتا للعبر والدروس المستفادة من هذه الحياة أو بعض مراحلها. إن التعبير عن الذات حاجة نفسية واجتماعية، بل وجودية تعكس زخما وجدانيا مُختزَنا لا يجد راحته إلا في تقاسم التجربة الحياتية مع الآخرين.
واضح أن ما عاشه الأستاذ أحمد النظيفي عاشه عشرات الآلاف وبما مئات الآلاف أو أكثر من مجايليه الذين يمكن نعتهم بالمخضرمين، الذين عاشوا جزءا من حياتهم خلال عهد الحماية وجزءا آخر بعد الاستقلال، وبذلك فهم عاشوا تحولات المغرب على مدى عقود من الزمن من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية، كما عاشوا انعكاسات هذه التحولات على الوجدان وعلى القيم والعلاقات الإنسانية، بل وانعكاساتها على مجتمع بأكمله. ولكن القليل من يجد في نفسه الحاجة لهذا التعبير والتقاسم، اذ يفترض هذا التعبير أو التقاسم دافعا أو دوافع ذاتية متأصلة في كيان الفرد. هذه الدوافع هي ما يشكل الأساس الوجداني الذي يحمل الفرد على التحرر من عبء الذكرى وممارسة البوح في إطار رغبة جامحة للتعبير عن الذات، ولهذا البوح فوائد جمة على المستوى الاجتماعي أو الثقافي؛ إذ أن تقاسم التجربة يثري الوجدان الجمعي ويوقظ الذاكرة ويزيد من الرغبة في التواصل ويسهم في التلاحم الاجتماعي وضخ رصيد معرفي ووجداني في الذاكرة الجماعية.

إن التعبير الوجداني العفوي والتلقائي للتجارب الحياتية الفردية أو الجماعية عموما يشكل المادة الحية والأساس الوثائقي لحقول معرفية متنوعة ومتباينة مثل التاريخ والأنثروبولوجيا والسيكولوجيا…إلخ. فعلى الرغم مما قد يشوب الذاكرة من حدود فهي على كل حال سرد لقطعة من حياة بكل شحناتها الوجدانية والعاطفية والاجتماعية تتجاوز السرد التاريخي الجاف الملتصق عادة بوثائق تاريخية، هدفها الكتابة للتاريخ أو تسجيل معطيات تاريخية.
السيرة الذاتية للاستاذ أحمد النظيفي، هي فترة من حياة، أو مراحل حياة، أو أجزاء من حياة عاشها وأحبّ تقاسمها مع القراء، لا تخلو من فائدة بالنظر لكل متلقي، وبالنظر لكونها ذاكرة جمعية.
المؤكد في هذا المضمار، أن حياة الفرد لا تسير بموازاة حياة المجتمع، بل هي جزء من هذه الحياة بكل تفاعلاتها السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية. قد يكون التركيز على حياة الفرد في السير والبيوغرافيا بصفة عامة لأغراض أدبية، أو فنية، أو منهجية، أو أكاديمية، لكنها حياة فردية تعدّ انعكاسا لحياة المجتمع بمختلف جوانبها. كما أن هذه السير تتيح التعرف على تحولات مجتمع من خلال حياة فرد. سرد الأحداث التي عاشها، أو عايشها، أو شاهدها فرد هي، في الوقت ذاته، سرد لأحداث من صلب حياة واقعية تعتمل فيها قضايا السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة… إلخ.
ثانيا، مستويات القراءة

يمكن القول بداية أن قراءة كل سيرة هي مفتوحة على مستويات متعددة منها، أو أبرزها ثلاثة مستويات:
المستوى الأول، يحيل على قراءة تستهدف المتعة، التي يشعر بها القارئ عادة إزاء أي عمل أدبي أو فني أو قصصي أو سيرة أو أي عمل أدبي آخر.
والمستوى الثاني، يتعلق بما يسمى عادة، في المنهج التاريخي، بالشهادة أو الرواية الشفوية التي تعتبر إحدى الحوامل للمعرفة التاريخية، طبعا بعد إخضاعها للنقد والتحليل والدراسة. ولا غرابة في الأمر خصوصا إذا عرفنا بأن ثمة تيارا بكامله نشأ أول ما نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشر في باقي البلدان، هو التاريخ الشفوي، يقوم على كتابة التاريخ انطلاقا من الشهادات الشفوية.
أما المستوى الثالث، فيمكن تسميته بالمستوى التأويلي، ويثير مسألة الهوية والذاكرة سواء في مستواها الفردي أو الجماعي، والعلاقة بينهما. وبهذه المناسبة، لا أريد الخوض في قضايا نظرية تتعلق بالذاكرة التي لها منظروها سواء في السوسيولوجيا أو الأنثروبولوجيا أو التاريخ أو الإبستيمولوجيا…، بل سأستحضر بعض مفاهيم وتحليلات هؤلاء واستعمالها في هذه القراءة دون أن أتحدث عنها نظريا. وفي هذا السياق سأتناول؛ المستوى الثالث التأويلي وسأعرج بعجالة على المستوى الثاني، أي مستوى الشهادة الشفوية، أما المستوى الأول فهو مرتبط بموضوع لا أملك المؤهلات الفكرية التي تمكنني من معالجته بحكم تخصصي، وهو موضوع مرتبط بالنقد الأدبي بشكل عام.
ثالثا، المستوى التأويلي

وهو مستوى مؤطر بمفهوم الذاكرة والهوية وقد مكننا استثمارنا لمفاهيم الذاكرة كما تمت بلورتها في حقول معرفية متنوعة من رصد خمسة جوانب في تحليل البعد الذاكري والوجداني والقيمي في هذه السيرة؛ البعد الأول يعالج المراوحة بين البعد العقلاني والبعد الوجداني، والثاني يركز على عام البون باعتباره رمز حقبة مأزومة، والثالث يتناول ذاكرة الأصل في ارتباط وثيق بالمجال الأصل، والرابع يحلل ذاكرة الراوي بطعم المقارنة والدهشة، والخامس يسرد دور شخصيات وأثرها في ذاكرة الطفل.
1.بين بعد عقلاني وبعد وجداني
من خلال المعطيات التي ضمنها الأستاذ أحمد النظيفي ظهر الغلاف، يتضح أنه نحت اسمه بشكل عميق في حياته العلمية والمهنية، فالشواهد الجامعية التي حصل عليها تنبئنا عن كفاياته وقدراته. كما تؤكد لنا المجالات التي اشتغل فيها إمكانياته المعرفية ومؤهلاته الفكرية. وتراوحت هذه المجالات بين التدريس في معاهد عليا وبين شغل مهام في قطاعات وزارية متنوعة، فضلا عن دخوله معترك السياسة نائبا برلمانيا سنة 1975.
على أنه أراد، بهذا العمل الذي بين أيدينا، (السيرة الذاتية)، التحرر من هذا البعد العقلاني في حياته العلمية والمهنية، إذ يبدو قد حقق آماله وأحلامه مع انفتاح على بعد آخر لا يقل أهمية وثراء في حياته وهو البعد الوجداني العاطفي الذي تتيحه الذاكرة والهوية الثقافية المرتبطة بالأصول المحلية وما تحمله من دلالات ومعاني عميقة لوجود الفرد وحياته.
2. عام البون أو رمز حقبة مأزومة

تجول بنا هذه السيرة في زمن ومجال محددين، يتعلق الأمر بزمن الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين وبالمغرب كمجال جغرافي، وتحديدا مجال إدا وگنظيف بجبال الأطلس الصغير. إن عام البون، الذي يبدأ به المؤلف هذه السيرة، يكاد أن يكون رمزا لجيل نشأ في منعطف يحمل دلالات متنوعة: فهو عام تصدع الحماية بفعل عوامل داخلية وخارجية، وهو عام الأزمات الطبيعية والاقتصادية، وهو فترة تحول الحركة الوطنية…إلخ.
مجمل القول؛ إن لانطلاق الأحداث بعام البون دلالة في وجدان وذاكرة المغاربة عامة، خاصة منهم الذين عاشوا هذه الفترة، أو كانوا قريبين منها على المستوى الأجيال. ذلك أن صداها المرتبط بآلام ومعاناة وصعوبات من شتى الأصناف، استمر في التردد بالنسبة لوجدان المغاربة سنوات، بل عقودا من الزمن. فهو عام حاسم عانى فيه المغاربة على جميع المستويات. عام ينتمي إلى ذاكرة جماعية تختزن آلاما وآمالا ومعاناة، ثم ينتهي السرد بفترة المرحلة الثانوية.
3. ذاكرة الأصل: ارتباط وثيق بالمجال الأصل
يحكي الأستاذ أحمد النظيفي عن حياته التي بدأت في قرية من قرى الأطلس الصغير الغربي، وانتقاله مع والده إلى إحدى “متروبولات” المغرب: الدار البيضاء، منذ عهد الحماية الأجنبية، ويتعلق الأمر بحكي ينطق بالدهشة تلو الدهشة، ويستحضر انتقالا تلو آخر، من بيئة إلى أخرى، ولم يكن هذا الانتقال يسيرا ولا سهلا دائما، بل تطلب نوعا من التكيف مع الواقع الجديد، ولربما هي تجربة بقدر ما فيها من مرارة الانتقال من وضع لآخر ومن بيئة لأخرى ومن ألم الدهشة، بقدر ما تبلورت فيها جوانب وعناصر أغنت شخصيته وأسهمت في تفتق وعي مبكر واستدماج قيم إيجابية وزيادة المعرفة التي تنمي الفكر وتوقظ الذهن وتشحذ الحواس. لا مشاحة في أن تفوقه الدراسي منذ البداية، وحصوله على درجات متقدمة وجوائز، على طول مساره الدراسي والجامعي، كل ذلك كان خير دليل على توفقه في التكيف المستمر مع كل المستجدات الحياتية.
ينقلنا الأستاذ أحمد النظيفي، عبر آلية الاسترجاع والذكرى إلى البدايات التي تفتق فيها وعيه الوجداني وربما الوجودي، وهو بلدة ”أسغا“، لا بما هي مجال جغرافي فحسب، ولكن بما هي أيضا كيان ذو حمولة ثقافية تحيل على هوية أمازيغية متجذرة في هذا المجال. ويبدو أن هذا المجال، بحمولته الثقافية منغرس في وجدان الطفل لا يغادره. يقول في الصفحة 22: ”تفاجأ الطفل بوجوده في مكان غريب عنه لم يجد فيه أمه التي لم تكن تفارقه لحظة وهو في مسقط رأسه (…)، نظر إلى والده نظرة طويلة فدخل في نوبة بكاء“. ونقرأ في الصفحة 24: ”رجع بسرعة إلى الغرفة التي نام فيها، لا تفارقه صورة بلدته الصغيرة التي نشأ فيها، متمنيا لو يخرجه والده من هذا المكان الغريب غير المرغوب فيه إلى فضاء أرحب يشبه بلدته (أسغا)“.
4. ذاكرة بطعم المقارنة والدهشة

هذا الارتباط بالمكان أو بذاكرة المكان فتح المؤلف على مقارنات باستمرار، بين قريته التي نشأ فيها والمجال الجديد في مدينة الدار البيضاء. فهو لا يفتأ، في كل واقع جديد أو واقعة جديدة، يقارن مع بلدته الأصل. الذاكرة هنا مثل مداد لا يمحي أبدا، فقد يقوى أو يضمر أثره، ولكنه حاضر باستمرار في وجدان الفرد. وهكذا يقول في الصفحة 23: ”فوجئ بوجوده في مكان ضيق، لا يشبه منزله الجبلي المشيد بالطوب والحجارة فوق قمة هضبة، تشرف على فضاء قروي ممتد“، وبدأ يتساءل: ”لماذا لم يعد يسمع صوت الحيوانات القادم من الوادي القريب من منزلهم الطيني؟ أين حركة الرجال والنساء في البساتين المصطفة بمحاذاة الوادي الكبير، وهم ينهمكون منذ الصباح الباكر في سقي الخضر والأشجار المثمرة أو جني ثمار اللوز والزيتون؟ (…)“، ويقول في الصفحة 24: ”وهو لا يزال ممتدا فوق فراش بسيط، في غرفة نوم ضيقة لا تشبه غرفة النوم التي اعتاد عليها في منزله القروي بالمنطقة الجبلية“، فهو هنا يراوح في سرده بين رحابة البادية وضيق المدينة، بين امتداد المجال في البادية وضيق الدروب، بين هدوء البادية والأصوات المزعجة… ”والناس كأنهم هاربون من خطر يهددهم“ (ص. 31)، ويتحدث عن حافلات أيت مزال التي تَصورها وفق ما تسمح به ذاكرته: على شكل جسم طويل له عجلات تشبه عربة سبق له أن صنعها من طين (ص. 32).
ثمة أمكنة نُقشت في ذاكرة الطفل: القرية، المتجر، الغرفة، المدرسة…، فالقرية هي، في الصفحة 27: ”البلدة الطيبة، المكسوة بأشجار باسقة ومتنوعة، وبساتين غنية ومعطاء، تزود الساكنة بما يفيض عن حاجتها من الخضر والفواكه، خصوصا بالنسبة للأطفال الذين يقطفون ثمارها وهي لا زالت لم تنضج بعد، يستمتعون بمذاقها، يتراكضون بين الأشجار، يتعلقون بأغصانها، يمارسون حركات بهلوانية“. ويواصل في الصفحة 39 وما بعدها، وبنفس نبرة المقارنة، وصف سوق خميس إدا اوگنظيف…ألخ
ويقابل هذه الأمكنة بأمكنة تحيل على عناصر مناقضة، فمنظر المدينة التي انتقل إليها الطفل توجد بها ”الدور والبنايات الشاهقة والضجيج والصخب الذي يصم الآذان، والناس المزدحمين في مساحات ضيقة، يكادون يتلاصقون فيما بينهم ويتدافعون “ (ص. 45-46)، و”يتشاجرون بينهم في كثير من الأحيان لأتفه الأسباب“. (ص. 46)، ولم يكن المشترك بين هذين المجالين المتناقضين (قريته الجبلية والمدينة التي انتقل إليها) سوى الآذان أو صوت المؤذن؛ هذا هو العنصر المشترك الذي سجله بين القرية والمدينة (ص. 42)، وهو يحيل على المشترك الثقافي والديني الذي تلتقي فيه الذاكرة الفردية والمحلية بالذاكرة الوطنية فتصبح الذاكرة الجمعية ذات مستويات يبدأ من الفردي فالمحلي وانتهاء بالوطني.
ينقلنا السارد من حالة إلى أخرى، ومن وضع إلى آخر، بنبرة المقارنات والدهشة أيضا تجاه أي وضع مستجد. تشبه ذاكرة الفرد هنا ذاكرة المجتمعات، بحيث لا يمكن التحرر من الذاكرة من جهة، ولكن الاستمرار في العيش في الواقع يقتضي التكيف والتعايش مع الواقع الجديد. هل يعني هذا أن الذاكرة متجذرة في وعي الفرد ووجدانه وهي ما يعطي معنى لوجوده؟ مجمل القول أنه يتبدى لنا وعي الطفل، وهو يتحول ويتطور عبر الزمان وعبر المكان، ويقع الاستذكار ويتأسس على المقارنة والدهشة الحاضرتين على طول النص السردي.
5. شخصيات في ذاكرة الطفل
تحضر في النص شخصيات نُقشت في ذاكرة الطفل سواء من محيطه العائلي أو وسطه المدرسي أو محيطه الاجتماعي العام. وتبدو الشخصيات الموصوفة في هذه السيرة وقد حفرت أسماءها في ذاكرة الطفل؛ فهي ليست شخصيات عابرة تمثل حالات اندرست آثارها بل هي باقية ومستمرة ومنقوشة في الذاكرة.
هكذا تبدو صورة كل من الأم والأب حاضرة منذ البداية، أي منذ صغره ومغادرته القرية، فالوالد حريص على هجرة ابنه من القرية ليواصل تعليمه، ويمنحه من الحنان، على الرغم من معارضة والدته، ولكنه قد يقسو عليه حينما تستدعي الظروف ذلك، وهو أيضا الوالد الذي يجسد قيما وطنية مثلا بعد نفيه إلى القرية بسبب إضراب التجار.
وتطل مُلخير القادمة من الصحراء بلهجتها الحسانية المخلوطة بكلمات أمازيغية وابنتها زايدة في ارتباطهما معا بمطحنة الزيتون أو المطحنة المائية.
كما يتراءى لنا الخال بلعيد في ارتباط بحادثة نزاع وسوء تفاهم مع الطفل وتعنيفه (ص.72).
أما مسيو كورنو، مدير المدرسة، فهو يجسد الصرامة، ويُذْكَر بالصفعات التي يُنزلها بالأطفال، لدرجة يبدو معها وكأنه “مصنوع من خشب”.
على أن معلمة الفرنسية الآنسة مورينو الإسبانية الشقراء الوديعة والجميلة، والتي كانت تعتني به عناية خاصة إشفاقا عليه ورعاية له، فقد مثلت جانب الرعاية والحدب في أجلى معانيهما.
وتمثل شخصية السيدة مانوني ذات البلوزة البيضاء والحزام الذي يزيدها نحافة مثالا يثير الشغب الطفولي بسبب عاداتها في الأكل.
أما بّا العربي الحارس ذو الوجه المستدير والطربوش الأحمر والوزرة الرمادية والسروال القندريسي، الذي يعلن، بواسطة الجرس، بدء الحصة ونهايتها، كما يحرص على انضباط التلامذة في الساحة، فضلا عن لعبه دور الوساطة بين التلاميذ الذين لا يعرفون اللغة الفرنسية والأساتذة الذين لا يعرفون اللغة العربية.
وفي ارتباط بالواقع المدرسي، تظهر شخوص ذات طابع خاص؛ فهذا تلميذ ليس كباقي التلاميذ في مدرسة أبناء أعيان المسلمين، يُعامَل معاملة خاصة، يرتدي جلبابا وسلهاما وطربوشا، ويجاوره دائما طفلان لا يتجاوز عمرهما 10 سنوات أو 14 سنة، ويجلس الطفل على الكرسي، أما الطفلان فيجلسان على الأرض؛
ويجسد الخال احمد رمزا من رموز الكفاح الوطني، وخاصة أنه تم اغتياله، ويصفه كشخص قوي البنية، جميل الوجه والجسد، والمتعلم الذي يقرأ ويكتب بخط فرنسي جميل يحاول الطفل باستمرار أن يقلده؛
ويمثل الفقيه السي البشير الشخصية المثالية بحيث لا يكتفي بتحفيظ القرآن للتلامذة، بل يخصص نصف زمن الحصة لتكوين شخصيتهم.
محماد كرانفال المنتمي للهلال الأسود
ويرد ذكر الخال محمد بلحسن في سياق المساعدة التي قدمها للطفل من أجل الحصول على منحة، والاستفادة من الداخلية في ثانوية مولاي عبد الله.
واضح أن هذه الشخصيات مختلفة المشارب والتوجهات والآفاق التي ترمي إليها، تَراوح أثرها المفترض على الطفل بين تكريس قيم الانضباط والهوية والمواطنة والصرامة وبين فكرة الرعاية والحنان والمساعدة. لم تحضر هذه القيم فقط بما تلقاه منها أو تعلمه منها مشافهة أو تلقينا أو توجيها مباشرا، بل ثمة من كان حضوره فاعلا بصمته، بإشاراته، بسلوكه العفوي التلقائي الذي يحيل على هذه القيم. فهوية الفرد وذاكرته لا تُنَميان بالصريح فحسب بل بالضمني أيضا، لا تتأثران بالقول بل أيضا بالصمت، لا تنفعلان بالخطاب المعلَن والموجَه بل أيضا بالتلميح. حضور هذه الشخصيات في حياة الطفل يكون أحيانا بالتوجيه المباشر والصريح، وأحيانا بالتلميح، وأحيانا أخرى بتقديم المثال في صمت. وكل منهم نقش في ذاكرة الطفل أسلوبا أو نمط سلوك أو نموذج فعل. الذاكرة قول منقوش ولكنها أيضا إحساس متجذر في الوجدان بالتلقي الصامت والضمني، بل هي أيضا تعبير يمر أحيانا عبر الصمت، ولم يغب عن كل ذلك شغب طفولي يطل بين الفينة والأخرى، على مستوى السلوك.
وثمة فصل ذو طابع خاص في الصفحة 70، ذو ارتباط بمخيال الطفل، فمصطلح الاستعمار كان يتلقاه على أنه قد يكون حمارا أو بغلا أو كلبا شرسا، ومصطلح المغرب قد يكون اسم دوار يقع خلف “أبالي”، وهي تمثلات تسرح به نحو عوالم من الدلالات ذات العلاقة بمستواه العمري، وهي تخيلات وتمثلات سيطرت عليه لمدة معينة من طفولته قبل أن يسمح له نموه العقلي بالوصول إلى الإدراك الناضج لهذه المصطلحات، بحيث يعطيها معانيها ودلالاتها الحقيقية. هذا النمو الذي يصله الطفل والنضج من الإدراك الطفولي العفوي إلى الإدراك والفهم الموضوعي لما يدور في محيطه هو نتيجة التربية التي يتفاعل فيها المحيط من أسرة ومدرسة وشخصيات يكون لكل منها دوره في تحفيز إدراك الطفل وفهمه واستيعابه لما يدور حوله.
رابعا، مستوى الشهادة الشفوية
من المعروف أن الكتابة التاريخية الجديدة لم تعد تقتصر، في بناء المعرفة التاريخية، على الوثائق المكتوبة الرسمية وغير الرسمية، بل أيضا على شواهد من أصناف أخرى؛ منها التراث الشفوي والأدب وغيرها من الشواهد غير المباشرة. ويدخل في هذا الصنف السير الذاتية التي يتقاطع فيها ما هو شخصي مع ما هو محلي ووطني. هذا النوع الأخير من الشواهد يفيد في كتابة تاريخ يتجاوز التأريخ السياسي والعسكري بل حتى الاقتصادي والاجتماعي إلى التاريخ الثقافي والفكري بل الوجداني الذي ينفذ إلى عمق الحياة الإنسانية بما في ذلك التمثلات والسلوكات والقيم. هذا النوع من الكتابة التاريخية يتيح النفاذ إلى الحياة في حرارتها وفي زخمها اليومي الذي يعمق فهمنا للتاريخ والأحداث التاريخية.
وسنركز في هذا المستوى على علاقة هذه السيرة بثلاثة عناصر من الواقع التاريخي المغربي بين فترة الحماية والاستقلال، هي: الواقع الاقتصادي والاجتماعي ثم الواقع التعليمي وأخيرا الواقع السياسي.
الواقع الاقتصادي الاجتماعي
يجول بنا الأستاذ أحمد النظيفي في رحلة تبدأ بالأربعينيات من القرن العشرين من قرية نائية في الأطلس الصغير إلى متروبول، وخلالها ينبئنا عن معلومات غاية في الأهمية تؤشر على التحولات التي عرفها المغرب، فالمسافة مثلا بين القرية والدار البيضاء البالغة حوالى 700 كيلومتر، والتي يمكن اجتيازها اليوم في 7 أو 8 ساعات، كان يقضيها المسافر في يومين، فيضطر إلى التوقف للمبيت في منتصف الطريق، الصويرة، ليستأنف السير في اليوم الموالي.
ويعرج على سرد يهم بعض الشركات في عهد الحماية مثل مصنع الخبز غوتييه، ومصنعي الحليب سانطرال ولاكطا، وهما لتموين الجنود الفرنسيين أثناء الحرب العالمية 2، فضلا عن البطاقات: البون، التي كان يتم توزيعها في ظروف الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالحرب العالمية الثانية والجفاف. وهي أحداث تعتبر مؤشرات على وضعية اقتصادية واجتماعية لفترة الأربعينيات، بفعل أحداث ووقائع عالمية ووطنية ومحلية.
الواقع التعليمي
بصدد الواقع التعليمي ثمة وثائق وأيضا دراسات وأبحاث تاريخية في الموضوع، والمعروف أن السياسة التعليمية أرساها ليوطي بشكل أساس، وقام بتنفيذها جورج هاردي Georges Hardy، الذي وضع لها الأسس النظرية والمفاهيمية في كتاب Conquêtes morales، اعتبر فيها السياسة التعليمية للحماية مؤسسة على ضرورة تحضير “الأهالي” من جهة، وعلى رسم حدود لا ينبغي تجاوزها والآفاق المنتظرة لتعليم “لأهالي”.
لنستحضر رد الوالد على الخال بلعيد (ص. 51) الذي قال له: ”لماذا أتيت بهذا الطفل إلى هنا، وأبعدته عن حنان أمه المسكينة؟“ فأجابه الوالد” أتيت به لأدخله المدرسة مثل أقرانه ليصير مستقبلا إما معلما أو ساعي بريد أو مساعد حسابات، ويكون له دخل شهري قار، ولا يكون بقالا مثلي“. من الواضح أنه هذا الأفق الذي رسمه الوالد يعتبر متقدما بالنظر لوضعية البلدة والقرية التي جاء منها، ولكنه مع ذلك يتماهى مع الأفق الذي رسمته السياسة التعليمية بإنشائها لمدارس أبناء الأعيان، فقد كان هدف السياسة التعليمية الفرنسية هو خلق طبقة متوسطة لا تتجاوز حدودا معينة، وتكون في خدمة فرنسا. وحينما أجاب بلعيد الوالد بقوله: ”أن الطفل ما زال صغيرا وأنهم لا يقبلون إلا الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم عشر سنوات أو أربعة عشر سنة حتى“ (ص. 51)، فهذا وجه آخر من أوجه السياسة التعليمية لسلطات الحماية؛ تمييزية نخبوية.
الواقع السياسي
نستنتج من سرد الأحداث في هذه السيرة دور السياق التاريخي الذي أيقظ فيه بذور وعي سياسي مبكر في ظل الاحتلال، إذ كان يقوم بأدوار يدرك خطورتها منذ صغره، فلا يتردد في هذا السن لخوض مغامرة نقل السلاح داخل مواد وسلع. هو طفل قد لا يثير شكوك المُحتل. فالوعي، هنا، لا ينشأ في بيئة لا تعرف تحديات وصعوبات…
في هذا الجانب السياسي، ثمة إشارات بعضها يتعلق بتعليق الأستاذ أحمد النظيفي على “إكس ليبان” ونقده اللاذع للنخبة الوطنية، ومشاركة الطفل في مظاهرات انطلقت من باب جديد نحو درب معيز ودرب الطاليان، رافعا راية صغيرة لها مقبض اشتراها بدريهمات وفرها من فطوره قبل الذهاب إلى المدرسة، قيامه بمهمات خطيرة جعلت الخال أحمد يلقبه بالطفل المقاوم، ثم انتشار الجماهير حول جامع البلدية في حضور السلطان وولي العهد أثناء صلاة الجمعة.
اللّافت للانتباه؛ سرده لبعض الأساليب اللاإنسانية في تجنيد الشباب، حيث يتم وزنهم من طرف عسكري، وتقديم مقابل مادي مطابق لوزن الشخص الموزون بالكيلوغرامات. إن تجنيد المغاربة للمشاركة في الحرب العالمية الثانية يمكن الوقوف عليه في وثائق رسمية وغير رسمية، ولكن إشارة السارد هنا لها دلالة مرتبطة بكونها تنفذ إلى الواقع اليومي الخاص بهذه العملية، والتي تعبر عن واقع حي لممارسة ولسلوك معين يجمع المستعمِر مع المستعمَر. نفس الأمر ينطبق على قضايا أخرى مثارة بهذا الشأن؛ كعودة جنود مغاربة من جبهات القتال يحملون عاهات نفسية وجسدية…إلخ. كلها إشارات من زاوية السارد، باعتباره شاهدا ومشاركا في أحداث سياسية اخترقت المجال الوطني، ولم تكن مقتصرة على مجال محلي بعينه.
الخلاصة
هذه القراءة تتيح لنا إمكانية تقدير قيمة السيرة التي أمامنا، على مستويات عدة. منها المستوى التأويلي، نعتبر انطلاقا منه، أن السيرة الذاتية لأحمد النظفي، لا تهم الفرد وحده ولا هي نافذة للاطلاع على ذاكرة منعزلة، بل نافذة على ذاكرة جماعية تتيح للقارئ الغوص في المؤثرات التي كان لها بالغ الأثر على بناء شخصية الكاتب وتفاعله مع واقع عاشه باستمرار. منه كذلك، مستوى الشهادة التاريخية. يمكن اعتبار هذه السيرة قطعة من حياة تنبئنا عن زاوية مُكمِّلة وربما مُعمِّقة لمعرفتنا التاريخية بمرحلة من المراحل، التي عاشها المغرب.
*جامعة محمد الخامس بالرباط
كلية علوم التربية

