تسجيل الدخول

قراءة في ديوان (لكِ، مِنْكِ، إليك) للشاعرة فتيحة معقودة السّجلي

said rahim1 مايو 2026آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
قراءة في ديوان (لكِ، مِنْكِ، إليك) للشاعرة فتيحة معقودة السّجلي

الكتابة في خدمة البساطة الإنسانية الواعية

سعيد رباعي

بما أنني لستُ بناقد جمالي ولست خبيراً في البصري والمرئي عموماً، أعترفُ منذ البدء أنه تعذَّر عليَّ قراءة صورة الغلاف، التي أبدعها صديقنا محمد لعروصي، باعتبارها أول مفاتيح الكتاب وعتباته؛ لذلك أكتفي هنا بوصف لما تتضمنه الصورة: باب القصبة بجداره الخارجي الصامد والحامل هنا، في الغلاف، لعلامات / خربشات من فعل فاعل لكنها تظل هنا رموزاً أعلى الصورة وأسفلها، يسارها ويمينها، تتطلب الكثير من التفكيك ومن التحليل، ثم بوابة القصبة التاريخية التي تفضي إلى صومعة (صومعة الجّامع لبيض)، وبيننا وبين الصومعة (في الغلاف وليس في الواقع) علامة مستديرة كما هي علامة قف، إلا أن ما بداخل علامة غلافنا، رغم دائرية الشكل، يختلف عما بداخل علامة قف، هنا حروف، كتابة، ليس لها لا اتجاه، ولا شكل ولا لون موحد، عمق دائرتنا أبيض خلفيته زرقاء تخف كلما صعدت ولا تقف أو تتوقف أو تُوقف إلا عند فرجة / نافذة للصومعة (أ لصومعاتنا نوافذ؟)… ثم وضوح وصفاء: أ لأن هناك عمود إنارة عمومية ومصباح من فعل الإنسان؟

IMG 20260501 202447 - نيو برس

بما أن الإنارة قد توفرت، فذلك يعني سر لا تتوقف… ولأنني قارئ ليس إلاّ، وجدت العنوان مدخلاً أول، فقرأت «منكِ، إليكِ، بفضلكِ»، حيث المرسل إليه في صيغة التأنيث؛ وكمحطة أخيرة بعد السفر عبر ثنايا الكتاب، قرأت على ظهر الغلاف:
«رأيتكَ في منامي،
تبادلني الكلامَ،
تسألُ، تجيبُ،
تعقّب، تعلّق…»

يَـرِد المرسَل إليه هنا بصيغة التـذكير، أما المُرسل فهو في الحالتين معا مجهول الهوية الجنسانية، ما يُستخلص منه أولاً، وأساساً، أننا في حضرة الإنسان في شموليته، وليس أمام الفرد المفرد في خصوصياته، ما يؤكده قول الكاتبة في ختم تقديمها: «في البدء وليس في الختام: «لك، منك… بفضلك»، بصيغة المذكر والمؤنث، لا فرق، أو لا أهمية لفرق إن وُجد، فالمنبع والمصبّ، هنا وفي كل مكان، الآن وفي كل آن، هو الإنسان…».

أسجل هنا بأن فتيحة معقودة السِّجْلي قالت في الاستشهاد السابق المذكر والمؤنث، لم تقل المذكر أو المؤنث…! لا مجال هنا إذن للتقسيم، للتجزيء، للتشظية، للتمييز، للتمايز، للتفضيل وللتفاضل… أكثر من ذلك، تتضمن المجموعة نصوصاً يمكن أن تكون موجهة / مُرْسَلة إلى المذكر والمؤنث أو لهما معاً دون أن يلحق بناء النص ومحتواه أي إخلال بالمعنى، نقرأ في الصفحة 40 مثلا:
«هكذا أنتَ (و/ أو أنتِ):
قبلة، حب، قبلة،
روض لا كالرياض،
عشق أبدي…
فكيف يفنى
من هو منكَ (و / منكِ)
ولكَ (و / أو لَـكِ)؟»

وعنوان النص «دوام» ما يعني أن الانصهار، الذي كان أصلاً، هو المبتغى المراد له الدوام، لكننا ننهي المجموعة بأن نقرأ على ظهر الغلاف «يا ليتَ المنام طَال»؛ ولماذا لا يطول المنام؟ توضح الكاتبة في التقديم، ص 6:
«لأن الجري وراء المصالح، فردية و / أو جماعية، يُولد التنافس، الخلاف، الاختلاف، الصّراع، التقتيل، بالتجويع كآخر صيحة تبدعها بربرية القرن الواحد ما بعد العشرين (!)».

ويمكن أن نضيف كل ما لم يكن له أن يكون لولا تضارب المصالح، أولا وأصلا، وتصارعها دوماً وإلى الأبد، طالما السيد هو الهيمنة وحاملَيها من مهيمِن ومهيمَن عليه، دون وعي أو عنه وذلك أفظع… وهي لهذا تتطلع إلى محاوَر ومحاور فاعل، إذ تقول كما سلف:
«… تبادلني الكلامَ،
تسأل، تجيب،
تعقب، تعلق…»
هي إذن تُعطي الآخر، أنتَ أو أنتِ، كامل الحق في أن تكون، تبادل الكلام، اسأل، أجب، عقب، علّق…، فعنوان نص الأضمومة الأول «مخاض» ومستهلّه:
«دعنا نعرض الأمر ببساطة،
بشيء من السّذاجة حتى..»

هناك إذن أمر ما وجب عرضه / طرحه، وهي تتوسل عرضه / طرحه، التبادل، التواصل بشأنه ببساطة… قد تصل حد السذاجة إن شئت أنت، أما هي فحاسم اختيارها كما قالت في كلمتها التي جاءت على سبيل الختم:

«بالحذر اللازم لتمييز البساطة عن التبسيط، أُقدم على الخطوة…»، هي إذن بساطة مقصودة، واعية إيماناً بأنها الأصل كما أوردت على لسان كونفوشيوس في تقديمها: «الحياة بسيطة لكننا نصرُّ على جعلها معقَّدة»… نحن إذن أصل الدّاء وبإصرار… والنتيجة؟ نقرأ تحت عنوان «رثاء الركام»، ص 102:
«صار الألم رفيقاً
فَـلِمَ الشّكوى؟
كَـمْ جرحاً، كَـم لوعة، كَـم خيبة،
والكل، معظم الأوقات،
من غير سابق إخبار؛»

وهي تسأل متأسية (ص. 48) «كم تهنا؟» وتُفرغ الحمولة (ص. 108) «… هنا، حيث حكم الضجر، وتجبر…». ما الذي تبقى إذن؟
خيارها، هي واضح ومنذ البدء إذ تقر (ص. 6): «أ لا يكون بذلك السير إلى الأعماق انفتاحاً وتفتحاً على كل الآفاق»؛ لنحذر هنا: إنها لا تغلق على ذاتها، لا تنغلق… إنها تحضن الكون والكائن، تنشد الانصهار الذي منه انطلقت ودَعَـتنا للانطلاق معها، إذ تقول بالبساطة المثقلة بالحكمة تحت عنوان «تكامل» (ص. 82):
«أ لا نتكامل
التقينَا
أم اختلفنَا…؟
إننا نتكامل في اختلافنا
ونختلف في تكاملنا»

كأن أجناس الكتابة انتفت هنا لتبقى الفكرة، فكرة الإنسان بصفاء روحه، إذ تقول (ص. 86):
«جمال قلبك
يضمد الجرح، يُسكنه… جمال قلبك
لا يشيخ، يتسع مهما ضاق الصدر،
لا ينضب، يروي
الكل، يورثه طيبة
تُنجب جمالا، جمال القلب…»

إنها تلتقي هنا بما أوردته لأفلاطون «تزاوج البساطة الحقيقية الطيبة والجمال» وتضيف إليه (ص. 7): «فكيف لا نتبنّاها وسيلة وغاية؟ بها ولأجلها نحْـيا، طالما أنها تجنّبنا التعقيدات المفروضة علينا من أعلى – وعيْنا ذلك أو لم نعه -، تُجنّبنا بالتالي أن نكون خداماً لأسياد يسيروننا عن بُعد – قد لا نعرفهم أحياناً – ونحن نتشدق بالحرية صباح مساء.

أنهي بملاحظتين:

1) «لكِ، منكِ… بفضلكِ»، يحمل الكثير من الألم، نقرأ مثلا (ص. 16):
«تنتحب الحياة عن الحياة فينا
لم نبتعد… لكن الإنسان ابتعد فينا»،
كما أنه يحفل بالذكريات، بالاعتراف بالمدينة، بالوطن، بالإنسان، بتمجيد الطفل فينا، ويحفل بالحب الذي ينبغي أن يظل قيمة القيم في سيرنا، نقرأ في ص. 42:
«ضمي صدرك إلى صدري، اشربيني
جرعة لروحي وجرعة لقلبي،
وجرعة لكل من عشق الحياة في عينيك».

2) أخيرا تقول فتيحة معقودة السِّجلي في تقديمها: «أقبل على المبادرة بكامل الفرح، دون أي ادعاء أو زعم كان»، نقرأ لها الصفحة 99:
«لا أدّعي شعراً،
لا أزْعم أنني أنسج
القَوافي…»
كتاب جدير بالقراءة، قراءة ممتعة وشكراً.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.