-
بوشعيب شكير/
“في مكان يُفترض أن يُعالج فيه الجسد، لا يجب أن يُسمح للعنف بأن يجرح الروح.”
تخيل أنك تدخل المستشفى طلبًا للعلاج، لكنك تجد طبيبًا يصرخ، ممرضًا يحاول تفادي لكمات، وموظف استقبال يتلقى سيلًا من الشتائم! مشهد كهذا لم يعد خيالًا، بل أصبح جزءًا من يوميات العاملين في المؤسسات الصحية، حيث تتزايد حوادث العنف ضدهم بشكل ينذر بالخطر، مما يؤثر سلبًا على ثقة المواطن في المستشفيات العمومية.
لماذا كل هذا العنف؟
هل نحن أمام أزمة سلوك مجتمعي، أم أن المنظومة الصحية نفسها تهيّئ المسرح لهذه الفوضى؟ المرضى وأسرهم يعانون من ضغط الانتظار وسوء المعاملة أحيانًا، والموظفون يجدون أنفسهم بين نارين: أداء واجبهم وسط ظروف صعبة، وتحمّل ردود الفعل الغاضبة التي تصل حدّ الاعتداء الجسدي. النتيجة؟ مستشفيات أشبه بساحات معارك، وقطاع صحي يفقد عناصره بسبب الإحباط والخوف.
إحصائيات تعكس حجم الكارثة
وفقًا لتقارير نقابية، شهدت مستشفيات مغربية خلال العام الماضي مئات الاعتداءات على أطباء وممرضين وموظفين، بعضها أدى إلى إصابات خطيرة، فيما تمرّ معظم الحالات دون متابعة قانونية حقيقية. والواقع أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على المغرب، بل هي مشكلة عالمية. في كندا، أظهرت الأبحاث أن 39% من العاملين الصحيين تعرضوا لشكل من أشكال العنف في مكان العمل خلال السنة السابقة. وفي هولندا، سجل مستشفى Gasthuis Westfries أكثر من 300 حادث عنف في عام واحد، مما أدى إلى تزايد شعور العاملين بعدم الأمان.
حوادث تتكرر
تُشكل الاعتداءات المتكررة على العاملين في قطاع الصحة، من أطباء وممرضين وإداريين، انتهاكًا صارخًا للضمانات القانونية المكفولة لهم أثناء تأدية مهامهم المهنية، وخرقًا لمبدأ حماية الموظفين العموميين ومقدمي الخدمات الصحية.
وفي هذا السياق، شهدت مجموعة من المؤسسات الاستشفائية وقائع اعتداء جسدي ولفظي خطير، نذكر منها:
الدار البيضاء: تعرضت إطار تقني تعمل بالمستشفى الجامعي ابن رشد لمحاولة اختطاف وسرقة مقرونة بالعنف.
الداخلة: تعرضت الممرضة “إ.ص” لاعتداء جسدي أثناء أداء مهامها من قبل مرافقي أحد المرضى.
فاس: تعرض الطبيب “ج.ب” لاعتداء جسدي عنيف شمل الضرب والرفس.
الرباط: تعرضت موظفة بمصلحة الدخول والفوترة بالمعهد الوطني للأنكولوجيا سيدي محمد بن عبد الله لاعتداء أثناء مزاولة مهامها.
كيف تعاملت الدول الأوروبية مع الظاهرة؟
بالمقارنة مع الدول الأوروبية، نجد أن هذه الظاهرة لم تُترك دون حلول:
هولندا: أطلقت بعض المستشفيات خطة “الرعاية الآمنة”، التي تشمل تحسين بيئة العمل وتوفير الدعم النفسي للعاملين.
المملكة المتحدة: تطبق برامج تدريبية للعاملين حول كيفية التعامل مع المرضى والمرافقين في حالات التوتر، بالإضافة إلى تعزيز الأمن في المستشفيات.
فرنسا: أنشأت وحدات خاصة لمكافحة العنف في المستشفيات، مع توفير دعم قانوني ونفسي للعاملين المتضررين.
شهادة صادمة
في شهادة مؤثرة، تروي ف.م، موظفة بمصلحة الاستقبال والفوترة بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا، تجربتها مع العنف:
“بينما كنت أؤدي عملي في المستشفى، تعرضت للسبّ والتهديد من أحد مرافقي المرضى، بل كان على وشك أن يوجه لي ضربات لولا تدخل أحد المرضى الذين كانوا في نفس المكان. هذا التدخل أنقذني، لكن الأمر تركني في حالة من الصدمة والقلق. لم أكن أتوقع أن يصبح العمل في مكان يفترض أن يكون للشفاء، مصدرًا للخوف. على الرغم من ذلك، ما خفف عني قليلًا هو تدخل الزملاء والنقابات الذين قدموا لي الدعم والمساندة النفسية. لكن المؤلم حقًا هو شعوري بالعجز عندما لم تجد هذه الحوادث أي رد فعل سريع من الإدارة. كيف لنا أن نستمر في تقديم أفضل ما لدينا وسط هذه الظروف؟ أوجه شكري للنقابات التي وضعت هذه الإشكالية على طاولة النقاش، وأتساءل: هل يُعقل أن نضطر إلى مواجهة العنف دون أن نجد الحماية التي نستحقها من الإدارة؟”
نحو حلول علمية تستجيب للواقع المغربي
لحل هذه الظاهرة بفعالية، لا بد من مقاربة علمية تأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي المغربي. لذلك، من الضروري الاستعانة بعلماء النفس والاجتماع والسياسة لإجراء دراسات معمقة حول أسباب تفشي العنف في المستشفيات المغربية، وتأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية على سلوك المواطنين.
علم النفس الاجتماعي: كيف تؤثر الضغوط المعيشية على تصرفات المرضى ومرافقيهم داخل المستشفيات؟
علم الاجتماع: ما العلاقة بين تراجع الثقة في المؤسسات الصحية وانتشار العنف؟
العلوم السياسية: كيف يمكن أن تؤثر إصلاحات السياسات الصحية على تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسة الصحية؟
ما الحل؟
توفير الأمن داخل المستشفيات ليس رفاهية، بل ضرورة قصوى، ولكن الحل لا يقتصر على تعيين رجال الأمن فقط، بل يجب أن يمتد إلى معالجة جذور المشكلة، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسة الصحية. وكما يقول المثل: “إذا كان العلاج في المستشفيات يتطلب العناية بالمرضى، فإن حماية العاملين في هذه المستشفيات تتطلب العناية بالإنسانية نفسها.”
خطوات لإعادة الثقة في المستشفى العمومي:
إصلاح إداري شامل: يحدّ من الفوضى وينظم سير العمل، مما يخلق بيئة علاجية أكثر هدوءًا وأمانًا.
سن قوانين رادعة: تجعل الاعتداء على موظفي الصحة جريمة تستوجب العقوبات الصارمة، على غرار ما هو معمول به في القطاعات الأخرى.
حملات توعية: تعيد بناء العلاقة بين المواطن والمرفق الصحي، وتعزز ثقافة الحوار بدلًا من العنف.
الاستفادة من التجارب الدولية: أثبتت التجارب أن تحسين التواصل بين الطاقم الطبي والمرضى يقلل من التوتر والصدامات.
إجراء دراسات علمية متخصصة: تستند إلى التحليل النفسي والاجتماعي والسياسي لفهم العوامل التي تؤدي إلى العنف داخل المستشفيات المغربية، واقتراح حلول مناسبة تأخذ بعين الاعتبار الوضعية الاجتماعية للمواطن المغربي.
إذا كان الاعتداء على موظف في بنك أو إدارة يؤدي إلى توقيف الفاعل فورًا، فلماذا يُترك العاملون في المستشفيات لمصيرهم؟ الصمت هنا يعني ترسيخ واقع جديد: “لا دواء بدون عنف!” فهل هذا ما نريده حقًا؟
حان الوقت لاتخاذ موقف حازم يعيد بناء الثقة، حيث يلتقي حق العلاج مع حق الحماية والاحترام المتبادل.