بوشعيب شكير
خلال الشهر الفضيل في عام 2025، تابعت حلقات برنامج “الشاهد” على موقع آشكاين الإعلامي، الذي يقدمه الإعلامي المتميز هشام العمراني. كان ضيف هذه الحلقات الأستاذ والوزير السابق مصطفى الرميد، أحد الأسماء البارزة في الساحة السياسية المغربية وأحد صناع القرار الحكومي بعد سنة 2011. كان هذا اللقاء بمثابة نافذة لفرصة تاريخية لفهم التطورات السياسية في المغرب ورصد آراء الرميد حول قضايا محورية، لا سيما تطور الحركة الإسلامية المغربية.
مراحل التحولات السياسية:
هذا الحوار، الذي جرى بصراحة وموضوعية، أتاح للمشاهدين فرصة غنية للتعرف على مختلف أبعاد التجربة السياسية التي مر بها الرميد. فقد كان ضيف الحلقات شاهدًا على مراحل محورية في تاريخ الحركة الإسلامية المغربية، بداية من شبابه وصولًا إلى مشاركته في الحكومة بعد 2011. كان الرميد أحد الأعضاء الوازنين سواء داخل حركة التوحيد والإصلاح أو حزب العدالة والتنمية، رغم التحديات الداخلية والخلافات التي شهدها الحزب، لا سيما فيما يتعلق بموقف الحزب من الاحتجاجات الشعبية.
انتقال الحركة الإسلامية من الفكر الشمولي إلى التكيف مع الواقع السياسي:
لقد شكّل هذا البرنامج محطة لفهم كيف انتقلت الحركة الإسلامية المغربية من الفكر الشمولي والإقصائي إلى التعامل مع الواقع السياسي المباشر. حيث اضطرت الحركة للتكيف مع التحديات العملية والميدانية التي تواجهها في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية. كان هذا التحول جزءًا من عملية طويلة من محاولة دمج مبادئ الحركة مع متطلبات السياسة الواقعية، وهو ما ظهر جليًا في مواقف عديدة، مثل التطبيع مع إسرائيل في عهد حكومة العدالة والتنمية، وهي خطوة أثارت جدلاً داخليًا وخارجيًا.
الحديث عن التطبيع مع إسرائيل:
الرميد أكد في حديثه على أهمية أن تكون الحركة الإسلامية قادرة على إدارة التوازنات السياسية الدقيقة، مثلما حدث مع قرار التطبيع مع إسرائيل في عهد حكومة العدالة والتنمية. كانت هذه الخطوة مثارًا لجدل داخلي عميق، حيث واجهت انتقادات شديدة من داخل الحزب، خاصة من أولئك الذين يعتبرون أن مثل هذه الخطوات تتناقض مع المبادئ التي كانت الحركة تدافع عنها في الماضي.
تحولات الحركة الإسلامية المغربية:
فيما يتعلق بالحركة الإسلامية المغربية، أشار الرميد إلى التحولات الكبرى التي شهدتها على مر السنوات. وأوضح أن جزءًا من هذه الحركة تمكن من فهم مقتضيات الحداثة السياسية والتكيف معها. فجزء من هذه الحركة تحول إلى تسيير حكومي مباشر بعد 2011، وأصبح له دور كبير في تحديد السياسات الحكومية ومواجهة التحديات الكبرى على الصعيدين الداخلي والإقليمي. كانت الحلقات بمثابة توثيق سياسي هام لفهم تطور هذه الحركة وكيفية تفاعلها مع تحولات السياسة المغربية والإقليمية.
الرميد: فاعل أساسي في تشكيل السياسة المغربية:
من خلال هذه الحوارات، يتضح أن الرميد ليس مجرد شاهد على التاريخ السياسي المغربي بل كان فاعلاً أساسيًا في تشكيله. فقد استطاع أن يقدم صورة عن الحركة الإسلامية المغربية تكون محورية لفهم نفسية القيادات السياسية في هذا المجال. وبالإضافة إلى ذلك، تكشف محاوراته عن جوانب مهمة من تعامل الحركة مع الدولة، والتحديات التي واجهتها في التوفيق بين المبادئ السياسية والمصالح الوطنية.
أهمية برنامج “الشاهد”:
من الأهمية بمكان أن نذكر أن هذا النوع من البرامج يعد ذا قيمة كبيرة في التوثيق السياسي للمغرب. حيث يفتقر البلد إلى هذه النوعية من الشهادات السياسية من قادته. في حين أن معظم المسؤولين والقادة السياسيين المغاربة لا يتحدثون عن تجاربهم، فإن برامج مثل “الشاهد” تساعد في تسجيل تاريخ السياسة المغربية، وتكشف عن الحقائق التي قد تضيع مع مرور الوقت. برنامج “الشاهد” الذي يقدمه هشام العمراني يمكن مقارنته ببرنامج “شاهد على العصر” الذي يقدمه أحمد منصور على قناة الجزيرة، حيث يوفر مساحة لأفراد سياسيين بارزين للحديث عن تجاربهم وشهاداتهم التي تظل موثقة للأجيال القادمة.
نقد داخلي ضمن الحركة الإسلامية:
من المهم أيضًا أن نذكر أن مصطفى الرميد ليس الرجل والقيادي الأول الذي تحدث عن انحرافات الحركة الإسلامية وقياداتها، حيث سبقه العديد من المفكرين والسياسيين. من بينهم العلامة فريد الأنصاري الذي تحدث في كتابه “الأخطاء الست الحركة الإسلامية” عن بعض الممارسات التي أثرت سلبًا على الحركة الإسلامية، وكذلك القيادي السابق الأمين بوخبزة الذي انتقد الممارسات اللاديمقراطية داخل القيادة. هذه الشهادات تُظهر أن النقاش حول إصلاحات الحركة هو نقاش داخلي وبناء ضمن الحركة نفسها، ويجب أن يُنظر إليها كجزء من عملية نقدية تهدف إلى تحسين الأداء السياسي للحركة، وليس كمجرد هجوم على القيادة. إنها دعوة لاستمرار التحليل والدراسة من قبل الباحثين في العلوم السياسية والمختصين في دراسة النخب.
التوازن بين النقد والموضوعية:
إجمالًا، يقدم الرميد صورة عن الحركة الإسلامية في المغرب بعين الناقد المخلص، الذي يعترف بالتحديات التي واجهتها الحركة ولكنه يشير في الوقت ذاته إلى فرص التحسين والتطور. فالنقد هنا ليس هجومًا على القيادة، بل دعوة للإصلاح وإعادة النظر في بعض الممارسات. كما أن البرنامج يساهم في فتح النقاش حول مستقبل الحركة الإسلامية في المغرب وكيفية توافقها مع التحديات السياسية والاجتماعية الجديدة.
على سبيل الختم :
في النهاية، يمكن القول إن برنامج “الشاهد” هو إضافة قيمة لفهم السياسة المغربية في تفاصيلها الدقيقة. تقديم الرميد لآرائه بهذا الشكل العميق والمفتوح يفتح الباب لمزيد من النقاشات حول مستقبل الحركة الإسلامية في المغرب، وأثرها على الحياة السياسية والاقتصادية. مثل هذه الحلقات تسهم في توثيق التاريخ السياسي المغربي وتدعو إلى استمرار التفكير النقدي والتحليلي في السياسة المغربية، مما يساهم في بناء مستقبل أفضل لبلدنا المغرب.
* المقالة تعبر عن رأي صاحبها وهي غير ملزمة لهذا الموقع