سعيد رحيم/
القانون ميزان قوة. زورق في بحر تتنازعه تيارات متلاطمة باستمرار . وفي المجتمعات البشرية تتنازعه طبقات تتصارع باستمرار، تجعل منه الطبقة المسيطرة مِعوٓلاً للاستخواذ على مزيد من الامتيازات وأداة لكسر جماجم من خالفهما من الطبقات.
من هذه الزاوية نقترح قراءة أولية في تداعيات الأغلبية العددية في البرلمان التي صادقت على القانون التنظيمي رقم 97.15 الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة الحق في الإضراب، والذي أقرّته المحكمة الدستورية، قبل أيام.
بادئ ذي بدء؛ المقترح النقدي هذا ليس موجها ضد أحد ولا ضد تنظيم حزبي، أو نقابي بعينه وإنما قراءة نقدية متواضعة لظاهرة تندرج في سوسيولوجيا الممارسة السياسية في المغرب، المتسمة نظريا وعمليا بانفصام الشخصية: (السكيزوفرنيا).
بداية، إن اعتبار القانون الأغلبية العددية “قانونا يُلغي الحق في الإضراب”، ليس في الواقع إلا تحصيل حاصل. تحصيل حاصل يستدعينا لاستقراء نصف قرن من رتق الخرائط السياسية لأجل صناعة أغلبية عددية برلمانية، مستعدة تلقائيا لرفع اليد بالتصويت جماعيا على تمرير كل ما يعادي حقوق طبقة العمال والموظفين والمستخدمين الأجراء المغاربة بصفة عامة، خدمة وتطبيقا لتعليمات ومصالح التحالف الطبقي الحاكم، المتمثل في زواج المال بالسياسة.
لا يكفي هنا التحجج بالطبيعة اللاديمقراطية للمؤسسة التشريعية وحدها للإقرار بالأمر الواقع، واقع إنتاج الأغلبية المأمورة مادامت المكونات التي تقف في المعارضة، بقبولها الشراكة في لعبة الفساد السياسي منذ اليوم الأول لإطلاق “المسلسل”، تعي هذا الأمر جيدا.
في لعبة الشراكة التلقائية في مؤسسة التشريع المختل طبقيا يكمن الشيطان صانع الأغلبية المزيفة المعادية للديمقراطية. أي الشراكة المبنية على مقولة الورطة “المقدسة” “استراتيجية النضال الديمقراطي” المتعارضة حتى مع المقولة الرسمية المعلنة “لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين”. مقولة/ ورطة لم يكن من نتائجها على مدى خمسة عقود سوى المزيد من تقهقر وتشتت تنظيمات المعارضة، أو احتواء معظمها داخل منظومة الفساد القائم على زواج المال بالسلطة السياسية، ما أثر سلبا على مجموع جماهير الشعب الحاضن، مبدئيا وعمليا، لآمال المعارضة ولليسار بشكل خاص، مع اتساع واقع الأغلبية العددية المأمورة، وفي تناقض صارخ مع أهداف الإستراتيجية المعلنة.
إنه بعض النظر عن المناخ السياسي الذي أُنشئت فيه مؤسسة تشريعية لا ديمقراطية بعد حالة الاستثناء – التي أعقبت حل برلمان 1963، وما تلى ذلك من أحداث دموية رصاصية مفزعة – وعلى الرغم من الدور الرئيسي لهذا المعطى التاريخي الذي هيأ شروط صناعة “الأغلبية” محور ناقشنا هنا، فإن لِدُعاة “استراتيجية النضال الديمقراطي” يد طولى ساهمت، بوعي أو بغيره، في صٓنعة الأغلبية المعادية لحقوق الأجراء ومجموع الكادحين والمهمشين والمقصيين من السياسات العمومية. الأغلبية التي صادقت على تمرير القانون التنظيمي المشار إليه أعلاه خدمة للباطرونا وللتحالف الطبقي المسيطر، والتي ستصادق وفقا للأسباب المتكررة، على قوانين قادمة أكثر إجحافا مما سبق..
هنا لابد من التأكيد على ما سببه تقديس مقولة “استراتيجية النضال الديمقراطي” من انقسامات متتالية في أحزاب المعارضة نفسها عند كل نزال انتخابي شكلي منذ “مسلسل” 1977 إلى انتخابات 2021. انقسامات سببها الأول إبعاد مضامين تلك “الاستراتيجية” من مواجهة ومعالجة الاختلافات الداخلية العاصفة بوحدة وتماسك أحزاب ونقابات الشعار المقدس إياه. شعار لا تطبقه حتى على نفسها ولا تتجرأ على إخضاعه للمراجعة و لا للنقد والنقد الذاتي، فقط لأنه مقدس في ميدان لا قدسية فيه لأحد، سوى الروح البشرية.
إن إحاطة شعار سياسي ما بالقدسية – وما تخفيه هذه الأخيرة من سعي لتحقيق مصالح مادية – قد وضعها في تعارض مع الشعار المخادع “التغيير من الداخل” في حين في حين تأبى على نفسها التغيير من داخلها، بل دفعت بها للاندماج في إعادة إنتاج نفس ممارسات الأغلبية العددية المصطنعة، من تدليس وكولسة وحلقية وتهميش وإقصاء .. وزادت عليها بالانقسام والتشرذم والطعن في مصداقية الممارسة السياسية للمعارضة اليسارية عموما، مما ساهم إلى حد بعيد في تنمية شروط الاختراق وصنع أغلبية صورية مؤثرة في القرار، كما شأنها اليوم.
بمناسبة انعقاد معظم مؤتمراتها الوطنية والمحلية أو كلها، إذا صح التعبير، عمدت تنظيمات “استراتيجية النضال الديمقراطي” على مدى الخمسين عاما الماضية – على الأقل – إلى استعمال أساليب مختلفة لضرب الديمقراطية من داخلها؛ بدأت سياسيا وإيديولوجيا بتحريف الجانب النظري لممارسة المعارضة حيال نظام سياسي واقتصادي قائم على الاستبداد والريع تلتها بالإقصاء، إقصاء المناضلين الميدانيين من الترشيح المؤسسات الانتخابية، على علاتها، مقابل ترشيح ودعم “مول الشكارة” صاحب المال والجاه، المناقض طبقيا لمصالح القاعدة الاجتماعية “للمعارضة اليسارية” بدعوى القدرة النسبية ل”مول الشكارة” على استقطاب ناخبين يكسب بهم مقاعد باسم الحزب أو النقابة داخل المؤسسات تلك.. وقد سمح هذا بحدوث انقلاب اجتماعي وسياسي داخل هرم البنية التنظيمية للمعارضة اليسارية تسربت إليها فئة من الإقطاعيين والمستفيدين من الريع وتمركزت بها تكتلات من البورجوازية المتوسطة ومن الفئات العليا من البورجوازية الصغيرة داخل منظومة تقدس “استراتيجية النضال الديمقراطي”، دون الإلتزام به داخليا. قدسية خولت للبورجوازيات المتنفذة، بحكم تموقعها داخل مراكز “القرار” التأثير على سلطة القرار الحزبي والنقابي “المعارض” مقابل إعمال شعار “أرض آلله واسعة” لمزيد من التفتت والانقسام. ولم تؤدِ سلسلة الانقسامات سوى إلى مزيد من التشردم في مؤسسات تغرف المصالح والامتيازات لفائدة التحالف الطبقي الحاكم.
لقد اتسمت العقود الماضية من “استراتيجية النضال الديمقراطي” – بسبب التحريف النظري وبسبب التغييرات التي طرأت على بنيته البشرية وما راكمته من مصالح فئوية وفساد – بالكثير من الممارسات المنتجة للتدليس والكولسة والحلقية إلى حد التورط والانغماس في ملفات الفساد .. من بينها أساسا مفهوم خلق “التوازات” كلما تعلق الأمر بتكوين مكاتب القيادية أو ما يطلقون عليه “الشخصية المقبولة” من “الطرفين”. أساسا كلما تعلق الأمر ب”انتخاب” الزعيم، مع طول مدة إقامته على كرسي الزعامة يصير، بشكل من الأشكال، حليفا للتحالف الطبقي الحاكم ومن أكثر خدامه الأوفياء وعدوا لذوذا لرفاق الأمس الذين قلّدوه كرسي الزعامة. ولا حاجة بنا لإعطاء نماذج حية يعرفها المتابعون والمتتبعات.
إن تظافر هذه العوامل مجتمعة فضلا عن الاشتغال المخزني المحموم، على قدم وساق، 7/7 و 365/365 على مدى نصف قرن بهدف مواصلة استحواذه على المؤسسات التمثيلية بنفس أساليب التحريف والإقصاء والتدليس والاستقطاب ورداءة الأداء النيابي وضيق أفقه التشريعي والقانوني، قد انتجت هذه الأغلبية العددية – التي صوتت على “قانون التنظيمي للإضراب” وعلى ما سيليه من إجحاف – وهي آخذة في الاتساع بتزكية من قدسية “استراتيجية النضال الديمقراطي”، الذي سيبقى، بما يكتنفه من ممارسات وتحريفات وانقسامات، وٓهْماً يكرس بؤس وسكيزوفرينيا الممارسة السياسية المعارضة، مع التوجس من علامات امتداد نقاط ضعفها إلى ما تبقى من مكونات اليسار المغربي، ما لم يُتدارك الأمر.